محمد بن جرير الطبري
25
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله : { وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ( 58 ) } قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ( وإما تخافن ) ، يا محمد ، من عدو لك بينك وبينه عهد وعقد ، أن ينكث عهد . وينقض عقده ، ويغدر بك = وذلك هو " الخيانة " والغدر ( 1 ) = ( فانبذ إليهم على سواء ) ، يقول : فناجزهم بالحرب ، وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم ، بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم ، ( 2 ) حتى تصير أنتَ وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب ، فيأخذوا للحرب آلتها ، وتبرأ من الغدر = ( إن الله لا يحب الخائنين ) ، الغادرين بمن كان منه في أمان وعهد بينه وبينه أن يغدر به فيحاربه ، قبل إعلامه إياه أنه له حرب ، وأنه قد فاسخه العقد . * * * فإن قال قائل : وكيف يجوز نقضُ العهد بخوف الخيانة ، و " الخوف " ظنٌّ = لا يقين ؟ ( 3 ) قيل : إن الأمر بخلاف ما إليه ذهبت ، وإنما معناه : إذا ظهرت أمارُ الخيانة من عدوك ، ( 4 ) وخفت وقوعهم بك ، فألق إليهم مقاليد السَّلم وآذنهم بالحرب . ( 5 ) وذلك كالذي كان من بني قريظة إذ أجابوا أبا سفيان ومن معه من
--> ( 1 ) انظر تفسير " الخيانة " فيما سلف 13 : 480 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك . ( 2 ) انظر تفسير " النبذ " فيما سلف 2 : 401 ، 402 \ 7 : 459 . وفي المطبوعة : " آثار الغدر " ، وأثبت ما في المخطوطة ، و " الأمار " و " الأمارة " ، العلامة ، ويقال : " أمار " جمع " أمارة " . ( 3 ) انظر تفسير " الخوف " فيما سلف 11 : 373 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك . ( 4 ) في المطبوعة : " آثار الخيانة " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وانظر التعليق السالف رقم : 2 . ( 5 ) في المخطوطة : " وأد " ، وبعدها بياض ، صوابه ما في المطبوعة .